الغزالي
21
إحياء علوم الدين
الورد الخامس : ما بعد ذلك إلى العصر ، ويستحب فيه العكوف في المسجد مشتغلا بالذكر والصلاة أو فنون الخير ويكون في انتظار الصلاة معتكفا ، فمن فضائل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة وكان ذلك سنة السلف ، وكان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوى النحل من التلاوة ، فإن كان بيته أسلم لدينه وأجمع لهمه فالبيت أفضل في حقه ، فاحياء هذا الورد وهو أيضا وقت غفلة الناس كإحياء الورد الثالث في الفضل ، وفي هذا الوقت يكره النوم لمن نام قبل الزوال إذ يكره نومتان بالنهار ، قال بعض العلماء : ثلاث يمقت الله عليها الضحك بغير عجب ، والأكل من غير جوع ، والنوم بالنهار من غير سهر بالليل ، والحد في النوم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ، فالاعتدال في نومه ثمان ساعات في الليل والنهار جميعا ، فان نام هذا القدر بالليل فلا معنى للنوم بالنهار ، وإن نقص منه مقدارا استوفاه بالنهار ، فحسب ابن آدم إن عاش ستين سنة أن ينقص من عمره عشرون سنة ، ومهما نام ثمان ساعات وهو الثلث فقد نقص من عمره الثلث ، ولكن لما كان النوم غذاء الروح كما أن الطعام غذاء الأبدان ، وكما أن العلم والذكر غذاء القلب لم يمكن قطعه عنه ، وقدر الاعتدال هذا والنقصان منه ربما يفضي إلى اضطراب البدن ، الا من يتعود السهر تدريجا فقد يمرن نفسه عليه من غير اضطراب ، وهذا الورد من أطول الأوراد وأمتعها للعباد وهو أحد الآصال التي ذكرها الله تعالى إذ قال : * ( ولِلَّه يَسْجُدُ من في السَّماواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والآصالِ « 1 » وإذا سجد لله عز وجل الجمادات فكيف يجوز أن يغفل العبد العاقل عن أنواع العبادات ! الورد السادس : إذا دخل وقت العصر دخل وقت الورد السادس ، وهو الذي أقسم الله تعالى به فقال تعالى * ( والْعَصْرِ « 2 » هذا أحد معنى الآية ، وهو المراد بالآصال في أحد التفسيرين ، وهو العشي المذكور في قوله * ( وعَشِيًّا « 3 » وفي قوله * ( بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ « 4 » وليس في هذا الورد صلاة الا أربع ركعات بين الأذان والإقامة كما سبق في الظهر ، ثم يصلى الفرض ويشتغل بالاقسام الأربعة المذكورة في الورد الأول إلى أن ترتفع الشمس إلى رؤس الحيطان وتصفر ، والأفضل فيه إذ منع عن الصلاة تلاوة القرءان بتدبر وتفهم ، إذ يجمع ذلك بين الذكر والدعاء والفكر ، فيندرج في هذا القسم أكثر مقاصد الأقسام الثلاثة
--> « 1 » الرعد : 15 « 2 » الروم : 18 « 3 » العصر : 1 « 4 » ص : 18